| موضوع: ماذا عن فيلم دكان شحاتة نقد خاص 20.03.10 17:02 | |
| لتفكير والكتابة عن صانع فيلم مثير جدا للجدل. يكتب بالصورة ويشكل شريطه من أجل تأطير فكرة أو مجموعة من الأفكار. مسألة ليست سهلة. مُحيرة في الأغلب. بعض المخرجين يستقبلون كمؤلفين لأفلامهم حتي مع وجود أسماء أخري في خانة التأليف. وأفلام كثيرة مصرية تنسب لمخرجيها رغم وجود أقوي النجوم المحليين. ويشار إليها في الدعاية والتسويق للفيلم "كماركة" مضمونة تجاريا.. وخالد يوسف يعتبر "علامة" وماركة بمواصفات خاصة. فيلمه يصنع حدثا. تسبقه أو تلحق به عاصفة مفتعلة أو طبيعية. لأنه في الأغلب مُحمّل بأفكار تشكل رؤية عما يجري لنا وحولنا الآن. ونبوءة مصبوغة في كل الأحوال بألوان داكنة. فضلا عن أنه محمل برسالة تهدم المألوف والسائد وتكسر التابوهات وتكشف عن واقع أسود من قرون الخروب. "هي فوضي" و"حين ميسرة" وقبلهما "العاصفة" وإلخ. فهو يلملم مفرداته ويصنع منها جملا عالية الصوت. صادمة. جحيمية. تطرد أي أمل. وفي خضم هذا البحر المتلاطم من السواد. يغرينا بطراوة جسد أنثي مستوردة هذه المرة. ولحظات حسية طويلة. موظفة يمرر بها قسوة السياط التي ينهال بها علي نفوسنا مبشرا بالويل وجلل النهاية. خالد يوسف مخرج يصنع شهرته بأسلوب صخّاب. مزدحم. متدافع. نابض بزخم شعوري وحركي وصوتي عنيف وزاعق. يفرض حضوره علي الصالة -بصريا وسمعيا- وإدارته للمجاميع وللشخصية الإنسانية جريئة مقتحمة بحوار خال من الكوابح. إنه لا يعرف التساؤل عندما يشطح خياله في تصوير حالات الشذوذ والخروج عن المألوف وغير الواقعي أو المحتمل تصديقه.. جسور إلي حد الوقاحة في طرح ما يريد طرحه. والكشف عما يريد كشفه.. خذ هيفاء وهبي في فيلمه الأخير "دكان شحاتة" باعتبارها حالة خاصة جدا. امرأة تجاوزت منتصف العمر. فاتنة. مشتهاة جنسيا. لبنانية الأصل والجوهر والمظهر بملابس تكشف ولا تستر ثم يضعها في سياق دراما مصرية خالصة. وفي دور فتاة صعيدية"!!" لأخ صعيدي ترك جذوره هناك وعمل سائقاً مقطوع الجذور. فتوة وسط موقف الميكروباصات. وسمسار انتخابات وفاسد. في بعض اللقطات يوحي لنا وكأنه يشتهي شقيقته المتفجرة أنوثة. وهيفاء التي تلعب دور "بيسه" العذراء الوفية القادرة علي حماية روحها من الاغتصاب أمام عدوانية شاب من الواضح أنه يصغرها بسنوات ليست قليلة. وبرغم هذه المفارقات يقذف بها المخرج إلينا علي الشاشة لكي نتلقاها ونقبلها كرمز للمرأة المصرية التي تجسد "أحلي ما في مصر" أو بالأحري أحلي ما تفتقده مصر إذا ما فكر المتفرج انها ليست مصرية. وكل ما هو مصري أمامنا يتحرك في الفيلم مباع أو قابل للبيع وثمنه قليل لأنه فاسد حتي النخاع. وحتي "نجاح" المرأة الجدعة "غادة عبدالرازق" يتم شراؤها هي الأخري وتهجع مقابل الجنيهات التي قبضها زوجها كنصيب لها في دكان شحاتة! سيرة عصرية "دكان شحاتة" آخر أعمال خالد يوسف يضعنا أمام سيرة إنسان. شحاتة. بطل "هِلالية" عصرنا هذا في يومنا هذا. ومعه سيرة شعب أضناه البؤس والقمع والفقر. يقاتل كل يوم ويذبح كل يوم من أجل الحصول علي الخبز. تقتله الحرائق في القطار "قطار الصعيد" وداخل المسرح "حادثة بني سويف" ويعدم زعماؤه الأشاوس "صدام حسين" ويغتال رئيسه "السادات" ويزج بالآلاف منه داخل السجون. وثورته التي كانت "ثورة يوليه" خلّفت شرخاً واسعاً في البناء. لا تداريه صورة الزعيم "عبدالناصر" التي كساها التراب وطمست ملامحها السنون وباتت مركونة بجوار جدار منهار!! ماذا تبقي من الدكان الصغير "دكان شحاتة" الذي بيع للأغراب وتفرق أصحابه وقاتل بعضهم البعض. أو للدكان الأكبر الذي يضم الجميع السوقة والرعاع والقتلة والفتوات حاملي المطاوي. والبنادق. والسماسرة الذين يبيعون كل شيء وأي شيء و... وماذا بقي من "شحاتة" نفسه الذي تآمر عليه أشقاؤه وسجنوه وحرموه من الميراث ومن محبوبته التي تزوجها شقيقه ثم رشقوا جسده بالرصاص. ومع ذلك ظل يوصي بالحب. لكن أي حب؟؟ لكن يبدو أنه استحق من وجهة نظر -صانعه- ببساطة التسلح بالحب وبالسلام. نبذ العنف إلا في الدفاع المحدود عن سلامته. إلا أنه لم يغضب. ولم يثر. ولم ينتقم. ولم يشغل عقله. ولم يدرك أبعاد "التراجيديا" التي تحيط به من كل الجهات. وإنما ظل يبحث دون بصيرة عن "اخوة" باعوه وأسلموه للسجن. وانتزعوا هيبته. وثروته. ثم انتزعوا حياته نفسها. فالموت الحتمي في نظر صانع الفيلم نهاية طبيعية لمن فقدوا الرؤية وغابت عنهم الحقيقة. ولمن عاشوا للحب في بيئة تحكمها الكراهية والضغينة والشهوة الحسية والمادية فضلاً عن الفساد والزيف السياسي. سنوات إلي الأمام والخلف من البداية يقفز الفيلم إلي مستقبل قريب جدا. إلي ما بعد انتهاء فترة الرئاسة الحالية إلي عام 2013 حيث تنتهي مدة عقوبة "شحاتة" عن تهمة لفقها له أشقاؤه. يصر شحاتة قبل خروجه من السجن علي حلق رأسه "علي الزيرو" ولم أفهم الدافع.. اللهم إلا من أجل بداية تنبت من جديد. ربما..! الأنباء عبر التليفزيون تأتي حاملة أخبارا عن الانسحاب من العراق. وأزمة الغذاء الخطيرة. ولقطات القطار المحمل بأجولة القمح وهجوم الغوغاء والمعدمين والمحرومين تسد طريق العودة علي السجين الخارج لتوه من وراء القضبان. وتتوالي العناوين الصحفية المكتوبة علي الشاشة التي تعود إلي الوراء قليلا. إلي سنوات ما قبل الزمن الذي اختاره المؤلف بداية للفيلم.. إلي حريق مجلس الشعب. ورحيل يوسف شاهين "!!" باعتباره حادثا جللا. واغتيال المجاهد الفلسطيني الشيخ أحمد ياسين. إلي آخر الحوادث الدراماتيكية ذات الدلالة التي تتجاوز الحدث نفسه. مع العودة إلي الماضي يظهر حجاج "محمود حميدة" يمتطي حماره في إحدي قري الجنوب. في سعيه لإحضار شخص يساعده في توليد زوجته التي تعاني من ولادة متعثرة. تلد الزوجة "شحاتة" ثم تموت. ويعود حجاج حاملا الرضيع في القطار إلي القاهرة في يوم مقتل الرئيس السادات "1981" والمدينة في حالة طوارئ والدبابات تملأ الشوارع. يعود إلي حيث يسكن مع أولاده "سالم وطِلب وابنته نجاح" الذي يضم إليهم شحاتة ويوصيهم به خيرا فهو يحب شحاتة ويفضله عليهم. يشب شحاتة وسط كراهية دفينة ومعلنة من قبل أخويه. الجميع يعيشون في ركن حديقة القصر الكبير الذي يملكه د. مؤنس "عبدالعزيز مخيون" الذي يمن عليه بقطعة أرض صغيرة في الحديقة المحيطة بقصره. فيحولها إلي دكان يحمل اسم صغيره "شحاتة" وللباشا اليساري ولد يعيش في أمريكا ويحمل جنسيتها. لا يزور الأب. ولا الوطن. ولكنه يعود بعد رحيل الأول لبيع الأرض والقصر لغرباء يشترون الدكان بمبلغ مليون جنيه فيشتد الصراع بين الأشقاء خصوصا وقد فارق الأب الحياة ويستبعد شحاتة بعد تلفيق تهمة تزوير. نجاح وبسيمة نجاح شقيقة شحاتة "غادة عبدالرازق" وصديقة الطفولة بسيمة "هيفاء وهبي" شقيقة كرم سائق الميكروباص "عمرو عبدالجليل" التي تميل إلي شحاتة "عمرو سعد" وتراه أمل حياتها. وتصر علي الزواج منه وشقيقها كرم له حسابات أخري. يري في شقيقته الجميلة سلعة تباع لمن يدفع أكثر ويناور من أجل تحقيق هذا الغرض. ومع تفاقم مشاعر الحقد والرغبة في الخلاص من شحاتة بعد موت الأب وبيع الدكان. يدخل شحاتة السجن ويخرج باحثا عن الأشقاء. يشعر أن وجوده وسطهم هو الحياة. وعن محبوبته التي تحايلت لزيارته في السجن. ارتدت النقاب واكتفت بنظرة إليه ثم رحلت.. وفي النهاية تصل إلي الحقيقة. يدرك أن العالم الذي يتصور قيامه ليس قائم. فالأشقاء يعملون سماسرة. يربحون وكرم يواصل نصبه. والمحبوبة علي ذمة شقيقه وكانت تحرص علي حياته بعدم بوحها بسر زواجها من شقيقه الذي دخل بها غصبا وعلي "الطريقة البلدي" ارتدت الحجاب ثم عاشت مأساة اغتياله.. ميلودراما سياسية اجتماعية بألوان فاقعة. ورتوش شديدة الخشونة والمباشرة. تكشف عن الفوضي البصرية التي تعادل فوضي الأفكار التي تزاحمت في ذهن المؤلف الذي يريد أن يقدم ملحمة ممثلين وممثلات مثل غادة عبدالرازق التي تزداد نضجا وقوة تعبير في كل مرة أراها تحت إدارة هذا المخرج وعمرو عبدالجليل الذي يعتبر الأهم والأكثر جاذبية وسط طاقم "الدكان". كان بلغته وأدائه للحوار مصدرا لإثارة الضحك. والشخصية نفسها مرسومة بروح مصرية ومضمون واقعي تعبر عن شريحة من "المهاجرين" من الصعيد إلي المدينة فقدت جذورها واكتسبت بروح مدنية مسكونة بالفوضي والعشوائية حسب ما يصورها صانع الفيلم. عمرو سعد طاقة تمثيلية لا يختلف عليها اثنان. وحميده من نصف الفيلم الاول شكل "ركيزة" تحقق التوازن للمعادلة البشرية في فيلم فقد كل سكانه إنسانيتهم. ومع عبدالعزيز مخيون "دكتور مؤنس" يشكلان قطبين يدوران في فلك واحد لكن لكل اتجاهه. عنصر الصوت وشريط الأغاني والمواويل يعمق فكرة "السيرة" والراوي الموازي الملازم للصور وللبشر الذين يصنعون الحواديت التي تحكي سيرة البطل وأعضاء أسرته. وناسه الذين حاكوا ملامح مشواره ودفعوا به إلي قدره. والصورة أو شريط الصور المرئية نفسها "مدير التصوير أيمن أبو المكارم" تعرض نفسها كعنصر فعال متسلل يضع في "التيمة" معنويا يشيع أجواءها. عبر تفاصيل بصرية دقيقة تلوح بمعان ودلالات موضوعية كبيرة.. أشير إلي مشهد المصلين ونظراتهم الخاطفة في أثناء الصلاة إلي سيقان هيفاء وهبي في مشهد أثار ضحك الجمهور رغم دلالته السلبية ثم جماليات المكان الذي اختير بحاسة بصرية مناسبة تماما للأحداث ولسنوات الجوع والنفي داخل الوطن أو سنوات التراجع الروحي والأخلاقي في ظل هيمنة الجماعات الاسلامية. ومن هذا المناخ الذي صوره ليس غريباً أن تغتال مظاهر الأخوة والتعاطف.. إنها "فوضي" تضاف إلي "هي فوضي" و"حين ميسرة". يوسف خالد ابن شرعي لهذه المرحلة نفسها التي تضم كل النقائض والنواقص والجموح وأيضا القدرة علي الفعل والفعل المضاد. وهو مخرج بأدوات تزداد "بطشا" علي المستوي الفني. بدليل انه استطاع أن يتحدي الرقابة وفي نفس الوقت يؤكد أن الرقابة جهة ليست قامعة تماما وإلا قمعت فيلمه السياسي بامتياز. والجرئ بامتياز بلس Plus. وتزداد فتونة. أيضا علي المستوي الفني بدليل فرضه هيفاء وهبي علي سياق طارد لها فكريا بالمعايير العادية. وحتي الفنية لأنها ليست ممثلة وكانت في الفيلم "Hiscasted". ويزداد خالد يوسف اقتحاما من حيث رغبته في التعبير عن دموية الواقع وشيطنة المتسلطين علي أفكاره وأجوائه السياسية. يصور الجماعات في صور أقرب إلي الاسطورية باعتبارهم غرباء aliens الذين هبطوا من سماوات الايديولوجيات العقيمة.
الموضوع الأصلي : ماذا عن فيلم دكان شحاتة نقد خاص المصدر : شبكة ميوزيكا أب المصرية musiaup.com |
|
| |
| |